محمد أبو زهرة

3967

زهرة التفاسير

فكان لزمن موسى ما كتبه من معجزات ، وكان لزمن عيسى معجزات كتبها سبحانه وقد كانت معجزة عيسى عليه السلام خرقا لنظام الأسباب والمسببات ؛ لأن الزمان كان يناسبه معجزات خارقة لنظام الأسباب والمسببات ، وكان عيسى ذاته في وجوده معجزة خارقة لنظام الأسباب ، فكذلك كان إبراؤه للأكمه والأبرص ، وإحياؤه للموتى ، وإخراج الموتى من قبورهم ، فكان هذا مناسبا لأجلها وزمنها ، وكان كتاب الله تعالى بها ، والزمن الذي عاش فيه ورسالته الخالدة ، كان يناسبها ، كتاب خالد يتحدى الأجيال جيلا بعد جيل ، وهو أعظم من كل معجزات عيسى ، وموسى وإبراهيم ؛ لأن هذه المعجزات حوادث تنقضى ، وتنتهى بزمانها ، ولا يراها إلا من شاهدها ، ولولا أن القرآن سجلها ما علم بها أحد ، أما القرآن فمعجزته خالدة باقية تتحدى الناس جميعا جيلا بعد جيل ؛ لأن شريعة محمد صلى اللّه عليه وسلم خالدة ، فكانت معجزتها خالدة باقية تدل على صدقها أمام كل الناس في كل زمان . وإن كل زمان له معجزته كما ذكرنا ، فلا تكون آية صالحة لكل زمان ، وإن اللّه تعالى يمحو كل معجزة إلا في زمنها ؛ ولذا قال تعالى : يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ ( 39 ) . يمحو الله من الآيات ما يشاء محوه منها ، ويثبت ما شاء منها ، فإذا كانت العصا معجزة في عصر موسى ، وأقامت الدليل على رسالة موسى عليه السلام ، فإن الله تعالى نسخها ، ولا تكون آية لإتيان رسالة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، ويثبت له آية أخرى ، وهي القرآن الكريم ، وإذا كان عيسى له آيات خرقت نظام الأسباب والمسببات ، فقد نسخها الله تعالى ، وأثبت لمحمد معجزة أخرى تناسب رسالته ، وتبقى ببقائها ، فيثبتها الله تعالى . هذا ما نراه تفسيرا للمحو والإثبات ، ونرى أنه يمكن أن يكون التفسير الذي يتسق مع ما قبلها وما بعدها من الآيات ، فالكلام في الآيات التي يطلبونها إعناتا وعنادا . وقد قال الزمخشري عدة معان تحتملها الجملة السامية ، وهذا نص ما قاله : « إنه يقول يمحو ما يشاء ويثبت ، أي يأتي من الشرائع بما شاء ، وينسخ منها ما